السيد عباس علي الموسوي

412

شرح نهج البلاغة

هذا الإنسان بيّن أن بعثته كانت في أواخر الدنيا ونهايتها وقرب الآخرة وحلولها لأن ما مضى منها هو الكثير وما بقي منها هو القليل وفي الحديث ما يدل على هذا . ويمكن أن يريد قرب انقطاع دنيا كل أمة منهم وحضور آخرتهم بموتهم وانقراضهم . . . ( وأظلمت بهجتها بعد إشراق وقامت بأهلها على ساق ) فبعد أن أشرقت أنوار النبوة ونعم الناس بخيرها وعطائها وأبواب هدايتها ولطفها فقد أظلمت هذه الأنوار وحل الظلم والخراب والبعد عن اللّه وتحولت حياتهم إلى حياة شديدة صعبة حيث الغارات والاعتداء وغزو بعضهم لبعض . ( وخشن منها مهاد وأزف منها قياد ) صعب فيها الاستقرار وهدوء البال وفقد فيها طيب العيش كما اقترب زوالها وفناؤها . ( في انقطاع من مدتها واقتراب من أشراطها وتصرم من أهلها ) هكذا كانت الدنيا فقد انتهى وقتها المضروب لها والتي تنتهي عنده وتوفرت علامات زوالها التي هي علامات القيامة كما أن من علاماتها تنافر أهلها وتقاطعهم وعدم الوصل واللقاء فيها بينهم . . . ( وانفصام من حلقتها وانتشار من سببها وعفاء من أعلامها ) لا يزال الحديث عن أحوال الناس يوم بعثة الرسول فذكر أن الناس لم تجمعهم الشريعة وقوانينها حيث تفرقوا وراء الأهواء والميول والرغبات وقد تفرقوا كل وراء ما يريد من مذاهب ومشارب كما أن العلماء والصلحاء يموتون وقد عبر عنهم بالأعلام لأن بهم يهتدي الضال وعن أيديهم يكون الخير والعطاء . . . ( وتكشف من عوراتها وقصر من طولها ) تظهر مفاسد الدنيا وعيوبها ولم يعد هناك من قبيح مستور أو مكروه مقبور كما أن طولها قد تقصّر وتقلص الزمن الطويل من عمرها . . . ( جعله اللّه بلاغا لرسالته وكرامة لأمته وربيعا لأهل زمانه ورفعة لأعوانه وشرفا لأنصاره ) بعد أن ذكر الفترة المتقدمة على بعثة رسول اللّه وما جرى فيها من قبائح ومفاسد عاد إلى ذكر رسول اللّه ليدلل على مدى عظمته وكرامته وكيف يجب على الناس أن يقدروا جهوده ويحتفلوا بقدومه ويهتموا بدينه . . . فقد جعل اللّه رسوله مبلغا لرسالة اللّه مؤديا لها إلى الناس كما جعله اللّه كرامة لأمته الإسلامية حيث جعله منها وإليها وجعلها أفضل أمة .